
يكاد يجمع جميع مؤرخو العلم على ان وضع مناهج البحث فى مختلف فروع المعرفة الانسانية
على اساس علمى مستمد من الوقائع والخبرة انما هو وليد العصور الانسانية الحديثة ناكريين بذلك
ان يكون للعصور القديمة دورها فى وضع هذه المناهج فى حين ان الانسان إذ يفكر لابد له من منهج يتخذه لكى
يصل الى حيث يريد فالمنهج اذن طريق البحث عن الحقيقة فى اى علم من العلوم او فى اى نطاق من نطاقات
المعرفة الانسانية واذا فهمنا المنهج على هذا اذن فلكل حضارة من حضارات العالم منهج للتفكير بل ان ذلك يكون لكل فرد ايضا سواء ادركوا ذلك او لم يدركوا
فالمنهج المعبر عن الحضارة اليوانية مثلا هو المنهج العقلى القياسى
فقد احتقر ارسطو التجربة حين اعلن ان النظر للسادة والتجربة للعبيد والمنهج المعبر عن الحضارة الغرية الحديثة
هو المنهج التجريبى .......
فما هو المنهج الذى يعبر عن الحضاراة الاسلامية ؟
أنكر المؤرخيين ان يكون للعرب السبق او مكانة مبدعة فى نطاق علم مناهج البحث
وكل ما حظى به المسلمون هو فقرة او فقرات بسيطة تشير الى انهم تابعوا المنهج القياسى
والقياس هنا يرمى الى قياس ارسطو اى ان العرب خضعوا لسيطرة الفكر اليونانى
ومن جهة اخرى يرى مؤرخو المناهج ان المنهج التجريبى لم يبدأ الا فى العصور الحديثة فى اوروربا فنجد ارهاصاته
الاولى عن فلاسفة العصور الوسطى وعصر النهضة ونجد بدياته العلمية عن فرانسيس بيكون ومن بعده جون استيورد مل
واوجست كونت فى القرون السابع عشر والثامن عشر حى تحول اوروبا كلها الى العلم التجريبى ذلك ورغم ان للعرب باعهم الكبير
فى علوم الكيمياء والطب والطبيعة وهى علو م تجريبية لا تعتمد على القياس الارسطوطاليسى فهل هذا يشكل اشكال فى فهم مناهج التفكير العربية ؟
اجل بالطبع
لم ينهج العرب نهج ارسطو والفلاسفة اليونان فى مناهجهم العقلية الجامدة بل ان العرب والمفكريين المسلمين كثيرا منهم هاجموا ونقدوا المنطق الارسطى
كما ان هذا الفكر التأملى الناعم الحالم لا يتناسب مع بيئة واقعية خشنة كبيئة العرب الأوائل فالعرب كانوا يعرفون الاشياء بخواصها واستعمالاتها العملية
ولم يعرفوها بنظرة عقلية حالمة بعيدة عن واقعهم ويظهر ذلك جليا فى حمالات المسلمين على المنهج اليونانى الذى
جاء بناءا على ادراك منهم من ضرورة بناء منهج يناسب الحضارة الاسلامية البازغة
ويخالف المنهج اليونانى القديم وعلوم الاوليين فبدأ المسلمون بمبحث فى الحد او التعريف والذى يخالف تماما
تعريفه عن ارسطو افالحد عند ارسطو هو المعرف بالماهية او الذات
اما عن المسلمين فهو القول المفسر لاسم الحد وصفته عند استعماله او انه يحص بالخواص اللازمة التى لا تحتاج
الى ذكر الصفات المشتركة بينه وبين غيره فوصل المسلمين اذا الى فكرة الخواص وهى فكرة يقوم عليها المنهج الاستقرائى التجريبى واخذ بها جون استيوارد مل وغيره من التجريبيين
فلا يمكن الاخذ بفكرة الماهية لثابتة فى المنهج التجريبى
كما انكر المسلمون كذلك القضايا الكلية وهى بمثابة المداد للبراهين لارسطوطاليسية
وذلك لانه اذا كان لابد فى كل رهان من قضية كلية فيجب ان نعلم انها كلية فاذا كان العلم بهذه القضايا بديهيا
كان العلم ببديهية اجزاءها بطريق اولى اما اذا كان نظريا احتاج الى علم بديهى
وهذا يؤدى الى الدور او التسلسل وكلاهما باطل ويحدث هذا فى كل القضايا الكلية
كماا ان كل برهان يكون فيه القضية الكلية مقدمة كبرى يمكن العلم بالنتيجة بدون وسط
هذه القضية فالانسان اذا يتوصل الى القضايا الجزئية قبل ان يتوصل الى القضايا الكلية
والقضية الكلية ما هى الا تعديدا لافراد جزئية مندرجة تحتها
واذا انتقلنا الى الاستدلال فنجد ان المسلمين استخدموا الاستقراء وليس الاستنباط
بالرغم من انهم اسموه القياس ولكن قياس المسلمين يختلف كليا عن قياس ارسطو فبينما ينتقل الاخير من
القضايا الكلية الى القضايا الجزئية ينتقل المسلمون فى قياسهم من احكام جزئية الى اخرى جزئية وذلك بواسطة تحقيق علمى دقيق
ولعل اوجه الخلاف الرئيسية بين القياس الارسطى والاسلامى يمكن تلخيصهم فى نقطتين
الاولى ان المسلمين اعتبروا قياس الغائب على الشاهد موصلا الى اليقين
اما ارسطو حين انتقل من الخاص لعام حمله على الظن
الثانية فكرة العلية فالحكم ثابت لعلة ما عند المسلين فذا وجدت الظروف نفسها لابد من معلول متشابه
وذلك لان هناك نظام واطراد فى الاشياء وسبق المسلمون جون استيوارت مل فى ذلك كم انهم خالفوا ارسطو
فى منطقه تمام المخالفة
اما بالنسبة الى العلية فقد فهمها المسلمون ليس على انها علاقة ضرورية عقلية كما فعل ارسطو
ولكن فهموها على انها تعاقب بين حادثتين احداهما بعد الاخرى بدون وجود اى رابطة ضرورية بينهم فهى الاقران بين ما يعتقد فى العادة سببا وما يعتقد مسببا
فلا دليل على اقتران الاحتراق ولقاء النار والنور وطلوع الشمس والموت وجز الورقة
سوى مجرد المشاهدة !
ونرى هذه الرؤية التجريبية للعلية بعد ذلك عند فيلسوف حسى كديفيد هيوم
ولكن كيف تتحقق العلية عند المسلمون ؟
اولا اطراد العلة
اى ان تدور العلة مع الحكم وجودا فكلما ظهرت ظهر
ثانيا ان تكون العلة منعكسة اى كلما انتفت العلة انتفى الحكم اى تدور اللى مع الحكم عدما
ثالثا الدوران وهو دوران العلة مع المعلول وجودا وعدما
رابعا تنقيح المناط
وهى ان يحذف ما لا يصلح للعلية من اوصاف المحل ثم يعين العلة فيم تبقى
وهى تشبه الاثبات بالسلب فنقوم اليوم بحذف الفروض التى تناقض التجارب التى نعملها لتحقيق المسألة لتى نريدها ثم نعتبر باقى
الفروض فى القائمة صحيحة
كما اقام المسلمون المنهج الاستردادى وهو التحقيق التاريخى للاحدايث والسنة الصحيحة كما استخدم لمسلمون مناهج اخرى
وهذا كله يقول ان المسلمين اصحاب حضارة اتخذت من المنهج التجريبى ومناهج اخرى
اداة لها شاء الغرب او لم يشأ
نقلا عن كتاب نشأة الفلسفة الاسلامية الجزء الاول
تعليقات
إرسال تعليق